الثلاثاء، فبراير 24، 2026

بنو إسرائيل

قال تعالى في سورة يوسف

"إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ "عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)"

هل كان يعقوب عليه السلام، يميز يوسف عن إخوته، بعد الرؤيا المؤذنة باختياره نبيا أم كان ذلك قبلها، لو كان قبلها فهي شفقة من أب شيخ، على طفله الصغير مقابل أخوة أكبر، وإن كان بعدها فهي إشفاق على الطفل من عبئ النبوة، لكن ولماذا يخشى من أبنائه على أخيهم الأصغر؟

لم يظلم نبي الله يعقوب الأخوة الأكبر، لكن الشيطان كان له مداخل مع الأخوة، لا مع يعقوب أو يوسف عليهما السلام، ولأن يوسف قد اختاره الله تعالى نبيا، فقد كان انشغال الأب به كبيرا، حتى أنه لما جاءه خبر الأخ الآخر الذي أخذه يوسف عنده، فقد تولى حزينا فذكر يوسف لا الأخ المفقود للتو: "وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)"، وما كان منهم إلا أن بدا منهم الحقد على يوسف، الحقد الذي لم تمحه السنون الطويلة، ولا هذب منه ما جرى للأخ الأصغر، فلقد كانوا من السهل أن يتلاعب بهم الشيطان.

"قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (86)"

فقد أعطى يوسف من الاهتمام، أكثر من الآخرين لأنه كان نبيا، مختارا، قدره أبوه، وأعزه، مما قد يكون السبب في غيرة إخوته، وفي التاريخ أن الأخ الآخر الذي أخذه يوسف عند في مصر، كان شقيق ليوسف، أي ليس شقيقا للإخوة الأكبر، كما يوسف، ومع هذا لم يكن هناك من حقد عليه، ولا سعى الإخوة للتخلص منه، والبادي على هذا هو أن موقفهم من يوسف جاء لأنه كان يوسف.

لكن هل كان يعقوب عليه السلام يعلم أن ابنه سيكون نبيا؟ لما حكى له يوسف عن رؤياه، فقد فسره بأن الله اجتباه، نبيا، أما قبل ذلك فهل كان عنده من علم بهذا، أو أنه توسم في ابنه، أن ينعم الله عليه بالنبوة؟

 "إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)"

ومما جرى ويجري في الدنيا في عصرنا الحالي، فإن الإسرائيلين الحاليين، كما يسمون أنفسهم، أساسهم هم هؤلاء الأخوة، وإن كان منهم الكثير ممن انضم إليهم اسما لا أصلا، فلعل الله جلت حكمته، قد أخبر يعقوب عليه السلام، بما سيكون من أبنائه، في حياته، وبعد موته إلى قيام الساعة، فإن هؤلاء هم بنو إسرائيل، الذين تتوالي أخبارهم في القرآن الكريم، وما أكثر ما كان لهم من أحوال مع أنبياء الله، من بعد يعقوب، هل كان يعقوب يعلم ما سيكون من بعض أبنائه، لذا غلب عليه الهم والحزن دائما، وكان يخشى منهم على طفل صغير، اصطفاه الله من بينهم، وهل يجوز على عدل الله العزيز الحكيم أن يخلق طائفة من البشر، ويعلم نبيا من أنبيائه بمستقبلهم، ومستقبل نسلهم، يبدو هذا كأنما خلقهم الله للعذاب في ختام الأمر، وهو مالا يتفق وعدله وحكمته جلا وعلا، رغم أنه عليم بما سيكون منهم، لكنه علم لا يترتب عليه حساب، إلا أن يتحقق في أفعالهم، باختيارهم، وإن بني إسرائيل لم يكونوا كلهم أشرارا، إذن كانت لديهم الخيرة، واختاروا الانصياع لهوى النفس ووساوس الشيطان، والله سبحانه وتعالى علم هذا منهم، قبل أن يكونوا، وربما قد أعلم يعقوب عليه السلام، بعضا من ذلك.

بل سولت لكم أنفسكم أمرا

إذن بشكل ما، كان يعقوب عليه السلام، يعلم عن أبنائه أمورا قد أخبره الله بها، كان يعلم أن أنفسهم يسهل أن يغلب عليها الشر، وأن توجهها وساوس الشياطين، هذا وهم أبناء نبي، ومن بيت نبوة، بل هو بيت النبوة، ولكن الله عزيز حكيم، يحكم ما يريد.

ويشهد على هذا أنه في الحالين، حال فقد يوسف، وحال فقد أخيه، كان رد يعقوب على الأخوة، قوله: " قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)" هذا في حال يوسف، و" قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)" وهذا في حال أخيه، أي أنه لم يقبل ما قاله الأخوة، مهما قالوا، بذات المنطلق، وقد كانوا كاذبين أول مرة، وكانوا صادقين في الثانية.

كان على يقين أن ولديه في حفظ الله، ورد فعله هو الصبر الجميل، لكن عاطفة الأبوة قاهرة، فبكى حتى فقد بصره، ولكن حزنا على يوسف بالأساس، قد أولاه قدرا أكبر من الاهتمام: "وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)"، وكان هذا بعدما أخبروه بأمر الأخ الثاني.

لكنه لما أمرهم بالبحث، ذكر ولديه كليهما، قال لهم:"يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ (87)"، فمازالوا أبناءه، مهما عملوا، وربما لم يعلم بمصيرهم في الحياة الدنيا، ولكن فقط علم أن للشيطان عليهم أو على بعضهم سبيلا، وأنهم سيكون من بعض من نسلهم الشر إلى قيام الساعة.

لا تدخلوا من باب واحد

وكل ما سبق أسئلة لا إجابات، فقط تصورات.

فلما جاء أبناؤه يطلبون الأخ الثاني، لم يحب ذلك، ولم يقبل إلا بموثق من الله، فهنا أيضا تظهر عدم ثقته فيهم، فإن علم أنهم أشرار، ما كان أعطاهم الابن، ولكنه لم يعلم إلا بما سيكون منهم من شر على الإجمال، ومن نسلهم، بل فقط من بعضهم، ومن بعض نسلهم، ولم يأمره الله تعالى بعمل شيئ في مقابل ذلك، فأخذ الموثق، أي التعهد منهم، وهم على ما هم عليه من سهولة الاستجابة لوسوسة الشيطان، يبدو غير منطقيا، لكن إن كان لا يعلم إلا أن بعضهم فقط فيه مجال لغلبة الشر، فإنه يصبح عملا مقبولا، إذ لا يجب الحكم على من لم تثبت عليه الإدانة، وهو ليس لديه علم يقيني بها.

ثم إنه بعد ذلك وجههم بأمر:

 "وَقَالَ يَا بَنِي لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68)"

فليدخلوا من أبواب متفرقة، فما جدوى هذا، وما صلته بمخاوفه؟ نقول مخاوفه مجازا، فهو نبي الله الذي لا يظن بالناس السوء، وهم أولاده، ولكن لأنه نبي، فإن لديه من الله علم، أكان علما كاملا، أو كيف كان هذا العلم، لا ندري " ... وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68)"

قد يكون أراد أن يفرقهم، فِرَقا، فيكون هذا مما يقلل من فرصة تدبيرهم شرا، فلو تفرقوا قد لا يحدث أن يقرروا أي سوء للأخ الصغير، سينتظرون حتى يجتمعوا، إن هم أرادوا الشر، كأنما اجتماع العصبة التي في بعضها شر، يزيد فرص قيامهم بالشر، وقد أردف كلامه بقوله إنه لا يغني عنهم من الله شيئا، أي لم يفسر لهم طلبه هذا، فقط أمرهم به، وذكرهم بالتوكل على الله، والرضا بالقضاء، مذكرا نفسه ولا شك أولا.

وقد عملوا بما أمرهم به أبوهم، وقد يكونوا أخبروه أنهم سيفعلون، وكان أمره هذا اختبارا لهم، فإن هم جادلوا واستفهموا، فهي إشارة إلى غلبة السوء عليهم، وإن وافقوا ورضوا، حتى بدون تفسير، فهي إشارة إلى غلبة الخير عليهم، والأظهر أنهم رضوا، ولم يجادلوا، فعلم النبي الحكيم أن أبناءه في ذلك، كانوا أميل للخير من الشر.

وقد وصف الله تعالى هذا الأمر أنه لا يغير من قضاء الله شيئا، تماما مثل ما قال يعقوب الذي قال " ... وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ..."، وقال ربنا تبارك وتعالى في الآية التي تلت "... مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ..."، فيعقوب يأمر ويطلب، مُسْلِما أمره لله، ولكن هناك في نفسه حاجة قضاها، أي أنه بمجرد أن حصل على قبولهم لأمره، كان قد حقق حاجة في نفسه، وهي، والله أعلم، أنه أراد التفريق بينهم، لعل الشر فيهم يتراجع لعدم الاجتماع، أو أنه، وهو الأقوى، قد أراد اختبارهم ليرى هل الغلبة عليهم كانت للسوء أو للخير في تلك الأحوال، وقد رأى أنها كانت للخير.

فقط طلب منهم موثقا من الله، ليذكرهم بأصولهم، كأبناء بيت النبوة، ثم لما حصل عليه، اختبرهم، بأمر الأبواب المتعددة، وقال تعالى عنه " ... وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68)"، فتصرفه كان من علم وحكمة، أو كان بناء على إعلام الله تعالى له بأحوال أبنائه، وأحوال نسلهم من بعدهم، مما سيسمون لاحقا، ببني إسرائيل، في التاريخ، وفي القرآن الكريم، إلى يومنا هذا.

ونرى هذه الأحوال من التقلب بين الخير والشر، في تذبذبهم في آيات عدة، فقد أعطوا الموثق، وأطاعوا أباهم، ثم لما دبر يوسف أمر السرقة، ليأخذ أخاه إليه، فقد اتهموا يوسف بأنه سرق من قبل، مثل أخيه، وهو بهتان لا أصل له، ومن بعدها أخذوا يستعطفونه، ليأخذ أحدا مكان الأخ، ليمكنهم أن يوفوا بموثقهم مع أبيهم رأفة بالشيخ الكبير، ورجع بعضهم، وبقي كبيرهم لا يستطيع مواجهة أبيه، فهنا خير و شر معا في النفوس، ولما عادوا إلى أبيهم، وأخبروه، وأعطوه أدلة صدقهم، فذكر يوسف، فقد استهجنوا ذلك منه وأساءوا القول معه، ولما رجعوا إلى يوسف بعد ذلك، ببضاعة مزجاة، رق لحالهم، وعرفهم بنفسه، فأقروا أن الله قد فضله عليهم، وهو موقف يكفي عظة لكل من لديه شيئ من العقل، ومع ذلك فعندما عادوا إلى أبيهم بالقميص، فاستبشر وذكر يوسف " وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94)"، فقد اغتاظوا، أساءوا لأبيهم بالقول من جديد "قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (95)"، ولما رأول المعجزة في ارتداده بصيرا، أقروا وأنابوا وسألوا المغفرة: " قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97)".

لم يكن أبناء يعقوب أشرارا، بل هم بشر من البشر، سوّى الله نفوسهم، وألهمها فجورها وتقواها، وتسري عليهم سنته تعالى " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)" الشمس، وقد تقلب أبناء يعقوب عليه السلام بين هذا وذاك.

ولنا الآن أن نفهم من قصصهم، كيف أن نسلهم الذين يسميهم القرآن، بني إسرائيل، وهم القوم الذين نزلت فيهم الآيات والمعجزات، وكثرت فيهم الرسل والنبوات، لكن منهم أشد أهل الأرض فسادا، الذين قد تأذن ربنا أن سيبعثن عليهم إلى يوم القيامة، من يسومهم سوء العذاب!!




بنو إسرائيل

قال تعالى في سورة يوسف "إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُ...