لما أخبر الطفل يوسف أباه عن رؤياه: "إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)"، كان أول رد من أبيه النبي الصالح أن حذره أن يقص على إخوته ما رأى: "قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)"
ما
الذي يجعل النبي ابن النبي ابن خليل الله إبراهيم، يخشى على طفله الصغير من إخوته
الأكبر؟
هل
كان يعقوب عليه السلام، يميز يوسف عن إخوته، فإن كان ذلك، وكان من قبل الرؤيا
المؤذنة باختياره نبيا، فهي شفقة من أب شيخ، على طفله الصغير مقابل أخوة أكبر، وإن
كان من بعدها فهي إشفاق على الطفل من عبئ النبوة، لكن لماذا يخشى من أبنائه على
أخيهم الأصغر؟
قد
أُعطى يوسف من الاهتمام، أكثر من الآخرين، لأنه كان نبيا مختارا، فقدره أبوه وأعزه،
مما قد يكون السبب في غيرة وحقد إخوته عليه، وفي التاريخ أن الأخ الآخر الذي آخذه يوسف
عنده في مصر، كان شقيق يوسف، لا شقيقا للإخوة الأكبر، ومع هذا لم نعلم أن كان هناك
من حقد عليه، ولا سعى الإخوة للتخلص منه، والبادي من هذا هو أن موقفهم من يوسف جاء
لإحساسهم أنه قد ميزه أبوه عليهم، هذا وهم لم يعلموا بنبوته، فهو لم يخبرهم
برؤياه، ولا أخبرهم أبوهم بالتأكيد، فقد تعاملوا معه، كأخ أصغر ظنوا أنه يأخذ من
اهتمام أبيهم أكثر مما يحبون، ولا علم لدينا أن غيرة الأخوة قد بدأت من بعد الرؤيا
أو من قبلها، لكن لا شك أنهم لاحظوا اهتمام أبيه به بعد الرؤيا، فقد كان انشغال
الأب به كبيرا، حتى أنه لما جاءه خبر الأخ الآخر الذي أخذه يوسف عنده، فقد تولى
حزينا فذكر يوسف لا الأخ المفقود للتو: "وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا
أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)"،
وما كان منهم إلا أن بدا منهم الحقد على يوسف، الحقد الذي لم تمحه السنون الطويلة،
ولا هذب منه ما جرى للأخ الأصغر، ولا ألم أبيهم نبي الله البادي أمامهم، قد
كانوا من السهل أن يتلاعب بهم الشيطان، وكان ردهم على أبيهم غير صائب على الإطلاق:
"قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ
تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى
اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (86)"
لم
يظلم نبي الله يعقوب الأخوة الأكبر، لكن الشيطان كانت له مداخل مع الأخوة، رآها
أبوهم فيهم أو أخبره الله تعالى بها إخبارا.
وهل كان يعقوب يعلم أن ابنه سيكون نبيا؟ إذ لما حكى له يوسف عن رؤياه، فقد فسرها
بأن الله اجتباه نبيا، أما قبل ذلك فهل كان عنده من علم بهذا، أو أنه توسم في
ابنه، أن ينعم الله عليه بالنبوة؟ "إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ
إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ
لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ
فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)"،
ثم أوضح لابنه معنى الرؤية وما هو مقبل عليه فقال: "وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ
رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)".
وهنا
يلح السؤال من جديد: لماذا يخشى على طفله الصغير من إخوته الأكبر؟
فنحن أمام أمرين، الأول موقف يعقوب من ابنه الطفل المختار للنبوة ومحاولته حمايته
من أمر ما، كان يعلمه، وموقفه من أبنائه الكبار، الذين لا نستطيع أن نفهم ما الذي
كان يضيرهم أن يختار يوسف نبيا، إنه أمر الله، وهم أبناء بيت النبوة، يعلمون ما في
ذلك.
لعل
الله جلت حكمته، قد أعلم يعقوب عليه السلام، بأحوال ستكون من بنيه، وعندما نتأمل
في القرآن الكريم، فهؤلاء الأبناء هم بنو إسرائيل الذين تتوالي أخبارهم في آيات القرآن، وما أكثر ما كان لهم من أحوال مع أنبياء الله، من بعد يعقوب، فهل كان
يعقوب يعلم ما سيكون من بعض أبنائه، فغلب عليه الهم والحزن دائما، وكان يخشى منهم
على طفل صغير، اصطفاه الله من بينهم، هل قد أخبره الله تعالى، أن من نسل هؤلاء
سيأتي قتلة الأنبياء، والمفسدون في الأرض إلى قيام الساعة؟
وهل
يجوز على عدل الله العزيز الحكيم أن يخلق طائفة من البشر، يجعلهم ونسلهم على هذه
الأحوال، كأنما خلقهم سبحانه للعذاب في ختام الأمر، فهذا لا يتفق وعدله وحكمته جلا
وعلا، بفهم عقولنا المحدودة، فرغم أنه عليم بما سيكون منهم، لكنه علم لا يترتب
عليه حساب، إلا أن يتحقق في أفعالهم، باختيارهم، وإن بني إسرائيل لم يكونوا كلهم
أشرارا، إذن كانت لديهم الخيرة، واختاروا الانصياع لهوى النفس ووساوس الشيطان،
والله سبحانه وتعالى يعلم هذا منهم، قبل أن يكونوا، وربما قد أعلم يعقوب عليه
السلام بذلك[1]، فأخذته الخشية، وهو أب رغم
كل شيئ، على طفله الصغير، الذي كان أول نبي في بني إسرائيل من بعد يعقوب ذاته، وهم
سيكون منهم قتلة النبيين.
بل سولت لكم أنفسكم أمرا
يبدو
لنا أن يعقوب عليه السلام، كان يعلم عن أبنائه أمورا قد أخبره الله بها، كان يعلم
أن أنفسهم يسهل أن يغلب عليها الشر، وأن تُوجِهها وساوس الشيطان، هذا وهم أبناء
نبي، ومن بيت نبوة، بل هو بيت النبوة، ولكن الله عزيز حكيم يحكم ما يريد.
ويشهد
على هذا أنه في الحالين، حال فقد يوسف، وحال فقد أخيه، كان رده على الأخوة أن:
"قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)" هذا في حال يوسف، و:"قَالَ
بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ
يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)" وهذا
في حال أخيه، أي أنه لم يقبل ما قاله الأخوة، مهما قالوا، بذات المنطلق، وقد كانوا
كاذبين أول مرة، وكانوا صادقين في الثانية.
كان
على يقين أن ولديه في حفظ الله، ورد فعله هو الصبر الجميل، لكن عاطفة الأبوة قاهرة،
فبكى حتى فقد بصره، حزنا على يوسف بالأساس، قد أولاه قدرا أكبر من الاهتمام: "وَتَوَلَّى
عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ
الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)"، وكان هذا بعدما أخبروه بأمر الأخ الثاني.
لكنه لما أمرهم بالبحث، ذكر ولديه كليهما، قال لهم:"يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ (87)"، فمازالوا أبناءه، مهما عملوا، وربما لم يعلم بمصيرهم في الحياة الدنيا، ولكن فقط علم أن للشيطان عليهم أو على أكثرهم سبيلا، وأنهم سيكون من بعض من نسلهم الشر والإفساد إلى قيام الساعة.
لا تدخلوا من باب واحد
فلما
جاء أبناؤه يطلبون الأخ الثاني، لم يحب ذلك، ولم يقبل إلا أن يأتوه بموثق من الله،
" قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِي مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ
لَتَأْتُونَنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ
قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)"، فهنا أيضا تظهر عدم ثقته
فيهم، فإن كانوا شرا محضا، ما كان أعطاهم الابن، ولكنه كان على علم فقط، بما سيكون
منهم من شر على الإجمال، ومن نسلهم، بل فقط من بعضهم، ومن بعض نسلهم، ولم يأمره
الله تعالى بعمل شيئ في مقابل ذلك، وهو قد رضي بالطبع بقضاء الله في بنيه، فأخذ
الموثق منهم، وهم على ما هم عليه من سهولة الاستجابة للهوى ووساوس الشيطان.
إلا
أنه وجههم بأمر: "وَقَالَ يَا بَنِي لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ
وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ
مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ
فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ
أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً
فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68)"
فليدخلوا
من أبواب متفرقة، ما جدوى هذا، وما صلته بمخاوفه؟ أقول مخاوفه مجازا، فهو نبي الله
الذي لا يظن بالناس السوء، وهم أولاده، ولكن لأنه نبي، فإن لديه من الله علم، أكان
علما كاملا بما سيكون، أو كيف كان هذا العلم، لا أدري " ... وَإِنَّهُ لَذُو
عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68)"
قد
يكون أراد أن يفرقهم، فرقا، فيكون هذا تقليلا من فرص تدبيرهم شرا، والتي تزيد
باجتماع العصبة التي في بعضها شر، لكن كان لهم أن يجتمعوا قبل الوصول إلى
الأبواب، أو حتى بعد الدخول منها، وقد أردف كلامه بقوله إنه لا يغني عنهم من الله
شيئا، أي أنه لم يفسر لهم طلبه هذا، فقط وجههم، وذكرهم بالتوكل على الله، والرضا
بالقضاء، مذكرا نفسه ولا شك أولا.
ولقد
عملوا بما أمرهم به أبوهم، وكان أمره بالتفرق عند الدخول اختبارا لهم، فإن هم
جادلوا واستفهموا، فهي إشارة إلى غلبة السوء عليهم، وإن وافقوا ورضوا، حتى بدون
تفسير، فهي إشارة إلى غلبة الخير عليهم، والظاهر أنهم رضوا، ولم يجادلوا،
واستجابوا لما أمرهم به، فعلم النبي الحكيم أن أبناءه في ذلك الحين، كانوا أميل إلى
الخير منهم إلى الشر.
وقد
وصف الله تعالى هذا الأمر بأنه لا يغير من قضاء الله شيئا، تماما مثل قال يعقوب،
الذي قال " ... وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ..."،
وقال ربنا تبارك وتعالى في الآية التي تلت "... مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ
مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ..."، فيعقوب يأمر ويطلب، مُسْلِما أمره لله، ولكن
هناك في نفسه حاجة، قضاها، أي أنه بمجرد أن حصل على قبولهم لأمره، كان قد حقق حاجة
في نفسه، وهي، والله أعلم، أنه أراد التفريق بينهم، لعل الشر فيهم يتراجع لعدم
الاجتماع، أو أنه، وهو الأقوى، قد أراد اختبارهم ليرى هل الغلبة كانت للسوء أو
للخير في تلك الأحوال، وقد رأى أنها كانت للخير.
إذن
قد طلب منهم موثقا من الله، ليذكرهم بأصولهم، كأبناء بيت النبوة، ثم لما حصل عليه،
اختبرهم، بأمر الأبواب المتعددة، وقال تعالى عنه " ... وَإِنَّهُ لَذُو
عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68)"،
فتصرفه كان من علم وحكمة، أو كان بناء على إعلام الله له بأحوال أبنائه، وأحوال
نسلهم، مما سيسمون لاحقا، ببني إسرائيل، في التاريخ، وفي القرآن الكريم.
ونرى
علامات على الفساد الذي أتى به بعض من نسل بني يعقوب، فيما تلا من أجيالهم، في
تذبذب أبناء يعقوب الظاهر، في آيات عدة من السورة، وتقلبهم بين الخير والشر، فقد
أعطوا الموثق، وأطاعوا أباهم، ثم لما دبر يوسف أمر السرقة، ليأخذ أخاه إليه، فقد
احتجوا، ونزهوا أنفسهم عن السرقة، اعتزازا بأصلهم الكريم: " قَالُوا
تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا
سَارِقِينَ (73)، ثم لما تمت الحيلة عليهم، فقد ادعوا أن يوسف قد سرق من قبل، مثل
أخيه هذا، "قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ
فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ
مَكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)"، وهو بهتان لا أصل له،
كان ينبغي لما نزهوا أنفسهم عن السرقة أن لا يقعوا فيه، ثم إنهم أخذوا يستعطفون
يوسف، ليأخذ أحدا مكان الأخ، ليمكنهم أن يوفوا بموثقهم مع أبيهم، رأفة بالشيخ
الكبير، "قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً
فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (78)"، ورجع
بعضهم، وبقي كبيرهم لا يستطيع مواجهة أبيه، وقد نال منهم إحساس بالندم على ما جرى
منهم ليوسف، تألما من أجل أبيهم، "... قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا
أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا
فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ
يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80)"، فهنا خير و شر معا
في النفوس، وهم لما عادوا إلى أبيهم، وأخبروه، وأعطوه أدلة صدقهم، فذكر يوسف، فقد
استهجنوا ذلك منه، وأساءوا القول معه، " وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا
أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)
قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ
مِنْ الْهَالِكِينَ (85)"، ولما رجعوا إلى يوسف بعد ذلك، ببضاعة مزجاة، وقد
صاروا في حال بائسة، رق لحالهم، وعرفهم بنفسه، فأقروا أن الله قد فضله عليهم، وهو
موقف يكفي عظة لكل من لديه شيئ من العقل، ومع ذلك فعندما عادوا إلى أبيهم بالقميص،
فاستبشر وذكر يوسف " وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي
لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94)"، فقد
اغتاظوا، وأساءوا لأبيهم بالقول من جديد، "قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي
ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (95)"، ولما رأوا المعجزة في ارتداده بصيرا، أقروا
وأنابوا وسألوا المغفرة: " قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا
ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97)".
لم
يكن أبناء يعقوب أشرار، بل بشر من البشر، سوى الله نفوسهم، وألهمها فجورها وتقواها،
وتسري عليهم سنته تعالى المذكورة في سورة الشمس " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)" وقد تقلب أبناء يعقوب عليه
السلام بين هذا وذاك، ولنا الآن أن نفهم كيف أن نسلهم الذين يسميهم القرآن، بني
إسرائيل، وهم القوم الذين نزلت فيهم الآيات والمعجزات، وكثرت فيهم الرسل والنبوات،
لكن كان منهم، ولا يزال، أشد أهل الأرض فسادا، أولئك الذين قد تأذن ربنا أن سيبعثن
عليهم إلى يوم القيامة، من يسومهم سوء العذاب!!
