الجمعة، فبراير 17، 2023

عن رواية "قواعد العشق الأربعون" .. إنه دين جديد !

 قواعد العشق الأربعون - رواية للمؤلفة التركية إليف شفق، نشرت بالولايات المتحدة سنة 2010 بالإنجليزية - The Forty Rules of Love

رواية مخيبة للتوقعات، فيها حكايتان متوازيتان، في كل منهما أن متصوفا يغوي شخصا آخر.

في الحكاية المعاصرة، من القرن الحادي والعشرين، رجل أوروبي ماتت عشيقته، وتحول للإسلام، فاختار التصوف، وألف قصة عن جلال الدين الرومي وشمس التبريزي، وهما شخصيتان حقيقيتان، عاشا في القرن الثالث عشر، ووصلت القصة لامرأة أمريكية يهودية، لتراجعها لدار النشر، فتواصلت المرأة مع المؤلف بالإيميلات، ونشأت بينهما قصة حب، انتهت بأن هجرت المرأة زوجها وأولادها، لتسافر مع الأوربي المتصوف إلى بلاد غريبة، يموت فيها، وهي لا تعود إلى أسرتها، بل تقرر الذهاب إلى هولندا، لتعيش في مكان عيش حبيبها الذي مات.

أما القصة القديمة، من القرن الثالث عشر، زمن السلاجقة، فتحكي عن متصوف اسمه شمس التبريزي، وهو شخصية حقيقية، جعلته الرواية شخصا متفردا، ذا تأثير سحري، وجعلت جريمة قتله هي أول حدث في الرواية، ومن بعدها نجد أن هذا الدرويش الجوال، كان يهيم في العالم، بحثا عن شخص ما، لم يعرفه، بل لم يعرف أنه كان يبحث عنه، ولا كان المبحوث عنه يعلم، لكن زعيما في تكية للدراويش هو من أوحى بالفكرة، أن عالم دين فذا مقدر له أن يلقى درويشا، سيغير الدرويش من مسار حياة هذا العالم، ولكن الدرويش قد لا يعود من بعدها.

كان الرجل المعنى هو جلال الدين الرومي، عالم الدين الرفيع الدرجة، في قونية، وبين بلاد المسلمين، وهو شخصية حقيقة، الشاعر الصوفي الشهير مولانا جلال الدين، والتقى الرجلان، فانبهر الرومي بالتبريزي، ولا ندري بعد سبب هذا، نعم لقد كان للتبريزي، مواقف كان فيها يؤثر في أشخاص آخرين، مثل البغي، والمجذوم، ومريد التصوف الشاب، قد جعلته المؤلفة ساحر الوقع في نفوس من يرونه.

اختلى الرومي والتبريزي أسابيع في مكتبة الرومي، الذي هجر أسرته وعمله كعالم دين وخطيب، ليتحول إلى شاعر ينطق باسم دين العشق، وليصل إلى حد شرب الخمر، لولا أن أخذها من يده التبريزي، وهو الذي أغواه بها، وأخذ رشفة أمامه، ثم إنه علمه الرقص الصوفي، وجعله يخرج إلى الناس على مسرح للرقص، بدلا من منبر الخطاب في المسجد الكبير، حيث كان يجتمع إليه الناس من كل حدب وصوب.

فلماذا انبهر الرومي بالتبريزي، لا ندري، ولماذا عبث الدرويش الذي يبشر بدين الحب لله، بمشاعر فتاة بريئة؟ ولماذا وهو الحكيم الحصيف، الذي يهزم بفكره فكر بلدة بأكملها، لماذا يقبل الزواج بفتاة، أحبته، الحب الذي علمها إياه، بينما هو لا يرى نفسه مؤهلا للزواج وما يستتبعه، بل يقول لنفسه إنه أخطأ، أفهذا خطأ يمر على مثله!

وماذا فعلت الأمريكية اليهودية مع المتصوف المسلم، لما هجرت بيتها معه، إنه قد أوقفها عن الانصياع وراء رغبتها في ممارسة الجنس معه، عندما كانا في حجرته بالفندق، ثم إنه أخذها معه إلى عالمه، لتهجر أطفالا مازالوا في حاجة إليها، فهل تزوجا، أم هما عاشا في دين العشق عشيقين؟ لم نعرف.

في الجملة هي رواية مضطربة، لا يصاحبها المنطق المقنع في كل أجزائها، بل إن لها غرضا، وفي سبيله جعلت كل شيئ ينصاع لسحر شمس، سلبا أو إيجابا، ورغم ازدحام الرواية بأفكار كبيرة، عن الدين والإله، والمعصية والطهر، فأكثر ما كان فيها باديا هو أن مؤلفة الرواية لم تكن على قدر كبر هذه الأفكار، فاحتشدت الأفكار بسذاجة، في أنحاء الرواية، وفي كثير منها لا نجد المعنى، ولا نجد السمو المفترض.

دين العشق

لم يكن هناك إلا غرض واحد، وهو الدعوة لدين العشق، الحب، حب الله كما قال شمس كثيرا، وقال عزيز (المتصوف الأوروبي بعد أن غير اسمه إلى عزيز) ، وجاء في كثير من الحوارات، بينما هو في الحقيقة حب الذات، فباسم الحب، نتبع القلوب إلى ما تريد، فنشرب الخمر، ونحب البغايا، والسكارى، ونهجر الأسر، ونميع المعتقد ليشمل كل البشر، فمادام الكل يتبع الحب، فهم إلى الله صائرون، وهو بالتحديد اتخاذ الهوى إلها، فيخلق كل شخص من هواه معبودا، والظاهر هو أن أهواء البشر جميعا تلتقي، وبالتالي سوف يقودهم دين العشق، إلى أن يحققوا السعادة، فلا يحكم واحد على واحد، ويقف عالم الدين الجليل في قلب الخمارة ليقول للسكارى مبتسما إن من يريد أن يشربها فليشربها، ومن لا يريد فلا يفعل .. ويقوم في قلب المدينة مبغى للدعارة، لكن من فيه أناس نحبهم، ونتمنى الخير لهم، وقد نتمنى أن يعودوا عن الخطيئة، كما نتمنى للسكارى أن يكفوا عن الخمر، ولكن فقط إن هم راحت قلوبهم نحو ذلك، أي إن أحبت قلوبهم الخروج من مستنقعات حياتهم اليومية، ففي دين العشق، العشق هو القاعدة الواحدة، وما الأربعون قاعدة التي مرت إلا اتجاهات الطرق التي نضل معها، نسمعها ونفكر فيها، فلا نفهم، ولا نستنتج أي اتجاه نذهب فيه، لأنها قواعد تستهدف إتاحة المجال للهوى أن يعمل، فالهوى في كل إنسان غير الهوى في غيره، وفي النهاية، لما يتبع الجميع أهواءهم، سيصلون بشكل ما إلى العشق الإنساني، وسيكون عليهم أن يجعلوا اسم الله في كل ما يفعلونه، فالعشق لله وفي الله باسم الله، فيتركوا أحكام الدين لمن يعشقها، أما من لم يعشقها، فيكفيه أن عشق غيرها.

تفكير بسيط بالنسبة لهذا الفكر في الرواية، الذي يبدو أنه كبير بعيد في السماء، لم تكن المؤلفة من المتصوفة لتفهم ما تتحدث عنه غالبا، فقط أرادت ان تقول بالديانة الإبراهيمية، التي يخترعونها من أعوام، وكانت هي التي تحدث عنها جيمي كارتر في أول كتابه عن الشرق الأوسط، فقد ذكر الإسلام والمسيحية واليهودية، وردها إلى أصل واحد، هو ابراهيم عليه السلام، وربما كان كلام جيمي كارتر هو إشارة البدء في إقامة "دين إبراهيم".
وما اسم إبراهيم عليه السلام، إلى لتغطية الحقيقة، إنهم يريدون دينا على هواهم، وتريد المؤلفة نفس الأمر، بدون أن تحارب دينا أو فكرا، بل بأن يكون كل شيئ متداخلا، فكل الناس مع العشق والهوى سيلتقون بالتأكيد.

لا أعلم صحة تلك العلاقة بين الرومي، وبين شمس التبريزي، هل لتلك المقولات المسماة قواعد العشق أصل، أم أن المؤلفة وضعتها، من فهمها لكلام الرومي أو ما قيل عن التبريزي؟ لكني حضرت ندوة أدبية، تحدث فيها الأكاديمي التركي، محمد حقي صوتشين، فمما قاله إن إليف شفق، قد تعاونت مع مترجمة لترجمة الرواية من الإنجليزية، لغتها الأصلية إلى اللغة التركية، وفي النسخة التركية، غيرت الرواية لتجعلها أكثر تصوفا، أي أقرب إلى الطبع التركي، وهو أمر غير متوقع، فإنني لما أقرأ رواية أريد أن أرى ما يراه المؤلف، أما أن يخاطب المؤلف كل شعب بما يريده، فإنه لا يكون أهلا للثقة فيه، ولا لقرائته.
كان الشكل في الرواية جميلا، حكايتان متوازيتان، وفصول كثيرة يروي أشخاص الرواية فيها ما يرونه، كل واحد له دوره في الحكي، أحيانا لنفس الحدث من جوانب متباينة، شكل متميز جذاب، لكن المضمون أقل مما كان متوقعا، فصوفي كبير مثل التبريزي، وعالم جليل مثل الرومي، لابد أن يكونا أكثر وقارا، مما كان في القصة، كما أن الجزء الأكثر أهمية فيها لم يظهر أبدا، وهو تلك الفترة التي قضاها الرومي، مع شمس، منفردين، ماذا قالا، فيما فكرا، كيف تغيرت بينهما الأفكار، لماذا صار الرومي منقادا مخبولا بحب شمس كما قالت القصة، كيف تحولت الأفكار هذا هو الأمر، فإن لم نر هذا الأمر، فإن القصة غير مكتملة، بل إن أقل الأشخاص ظهورا في القصة كان الرومي، وهو الذي من المفترض أن يكون المثال على التحول لدين العشق، باعتباره صوت العشق في كل زمن، كما يقال عنه في هذا الزمن الحالي حتى.

القصة لا تعادي الدين جهرا، وربما ليس سرا، ولكن فيها مرارة من الدين، الذي هو الإسلام، لأنه يقيد الأهواء، تلك هي المسألة، ولأن المؤلفة ولدت وعاشت في الغرب، فإنها تعيش حرة من القيود، وتريد إسقاط هذا على الدين، وضعت الدين الذي على هواها، وتريد أن تصوغه للجميع.

فالزوجة شخصية القصة المعاصرة الرئيسية، ما كان لها أن تسأل ابنتها عن ذلك الفتى الذي قالت تريد الزواج به، ولتترك الحب يحرك ابنتها المراهقة، ولقد فشلت قصة الحب فيما بعد، ورغم موقف الأم المعارض من البنت، فإن البنت التي وجدت الفشل في حبها، كانت هي الداعم لأمها في هروبها من أسرتها، وفي عدم عودتها، فإن الحب هو الذي يجب اتباعه، ولأن في الأمر الحب فطاعة هوى القلب لا يجب أن تتوقف.

والمتصوف المعاصر الذي وجد مع فتاته معنى الإنسانية، والحياة الغنية بقيم العطاء، والقلب المتسع لكل محتاج، والذي تحول للإسلام فيما بعد لما ماتت فتاته - بل للتصوف، وأخذ يطوف العالم، محاولا احتضانه، هو الذي لا يمنع المرأة من أن تهجر أسرتها من أجله، فتترك أطفالا يحتاجونها، لأنها يجب أن تتبع هوى قلبها، فلو وثقت في قلبها، أن هذا هو ما تريده فليكن، وهو أمين، مع هذا، قد أخبرها بمرضه، القاتل، من أجل أن تختار على علم.

هل التصوف هو هذا؟
هل خلقنا الله على صورته؟ كما قال شمس كثيرا، ورددت المؤلفة كثيرا، وما معنى هذا القول أساسا؟ إن الله يقول في القرآن، الذي يبقى المرجع في هذه الرواية، يقول إنه تعالى "ليس كمثله شيئ"، فأنى نكون على صورته؟

هل حقا لا يجوز أن نحكم على أحد؟ فليعص العاصي، وليزن الزاني، وليشرب الخمر من يشرب.. لكن لا يجب أن نتخذ من أيهم موقفا؟

كلام سلس رقيق، ولكنه ليس سليما في الحقيقة، لأن معناه تفسخ المجتمع، سيكون مجتمعا بلا قيم، ولا موجهات لسلوك أفراده، سيسقط المجتمع في وقت ما، لأن الصالحين العصاة، سينضم إليهم الفاسدون في القريب، إذ أن اتباع الهوى للمتعة داء بشري، ومن يقاومه قليل، بينما الأغلبية لن تقاوم، وستجده سهلا متاحا، مألوفا، ممتعا، فلماذا تمتنع عنه؟

وهذا بالضبط حال الغرب الذي يموت (موت الغرب هو اسم كتاب ألفه سياسي أمريكي بارز كان مستشارا لعدة رؤساس أمريكيين اسمه بات بيوكانن"، ويتفسخ، وحقا لقد وصلوا لمرحلة ألا يحكم أحد على أحد، وهي حال مريحة، قد راقتني لما كنت هناك، لكنهم في الغرب، بعد عقود من الحرية المسئولة، تحولوا إلى الحرية اللامسئولة، وتحولوا إلى دركات أخرى، فتصدعت الأسرة، وانتشر الشذوذ، وصار مقدسا، يحاربون من أجله ضد من يرفضه، ولو بالقلب فقط، فلماذا لا يسمحون لصاحب الهوى المناقض للشذوذ أن يتبع هواه في هذا؟

ولأن النفس فيها من الفجور، فإنهم اتخذوا من المسلمين هدفا يهاجمون مقدساتهم، ويضيقون عليهم حياتهم، فيغلقون المساجد، ويمنعون مدارسهم، ويحرمون المرأة فيهم من التستر إن أرادت، فأين منع الحكم على الآخرين، بل إنهم يفعلون هذا باسم حماية قيم المجتمع العلمانية أو المسيحية بحسب الحال، فأين عدم الحكم على الآخرين؟ فالحقيقة أنه دين اخترعوه، ويقدسونه ضد أي دين يخالفه، فما يعلنونه من قيم هي قيم هذا الدين، وهو لا يسع الإنسانية، إلا الإنسانية التي تتبع هذا الدين، فلا حرية في الحقيقة، ولا عشق، ولا يحزنون.

الدين الحق يجعل الإنسان عالميا، يرى نفسه، وغيره، ويرقى ليرى أنه فرد في جماعة، وله في حمايتها دور، ويعلم أن في الجماعة مرض، من الممكن أن يحدث، فهم بشر، وهناك شيطان يعاديهم، وهو له دور في حصار المرض، للقضاء عليه ومنع انتشاره، والفطرة التي فطرنا الله عليه هي ما يجب أن تتوجه إليها أهواؤنا.

التصوف تأمل في حكمة الله، وبلوغ درجات عليا في الفهم، والتعبد لله تعالى، لا أن نضع أنفسنا ندا لله، فنسلك في كونه بما نرى، ونقول إننا نحب الله، ولا نؤذي أحدا.

التصوف هو الدرجات الأعلى في اتباع ما أمر الله به، وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا، هكذا علمنا القرآن، فأني لواحد من البشر أن يقول إنه يعلم من الله ما يرسله الله مع رسله فقط، ولا وحي بعد رسول الله الخاتم، فمن له أن يقرر أنه أن نعصي الله بحب، فلا مشكلة، وإن قال ربنا لا تودوا من حاد الله ورسوله، فمن ذا الذي يقول بل أحببوهم، ومن قال أحبوا العصاة المصرين على خطاياهم، كيف يجتمع حب الله، وحب من خالف أمر الله في قلب سوي؟

الاثنين، يناير 23، 2023

لماذا ارتبط النكد بالنساء؟ مجرد نظرية للتفسير

 لأنهن خرجن من البيوت، فيواجهن ضغوطات كثيرة، بعضها سعيا وراء المعيشة، وبعضها من التنافس مع الأخريات من أجل الرجل، أو لمجرد أن تكون الأظرف، والأجمل، وبما أن جزء كبيرا من كينونة المرأة هو شكلها وجاذبيتها، وهي أمور لا تتحكم فيها ابتداء، فإنهن في صراع لا يتوقف، ولأنهن لا يملكن هذين العنصرين من كينونتهن فهن مهتزات الثقة بالنفس، خائفات من أن لا ينلن رضا الرجال حولهن، بل ولا يرضيهن ألا يكن محل غيظ وغيرة النساء الأخريات


فسعيا من أجل الوصول إلى تلك الانتصارات والحفاظ عليها من الأخريات، هن يحَكْن الأحاييل لضمان السبق، فلابد من إثبات نجاح عملي، وحراسة الرجل الذي حققنه، أو الرجال الذين سيطرن عليهن (بظنهن)، وهذا يدفع للسلوكيات المسببة للمشكلات مع النساء، والسلوكيات الخانقة للرجل، والصراعات والحروب تطول، وتتعب منها المرأة، فلا يبقى لديها إلا أن تضيق على الرجل، أو تثبت له وجودها طوال الوقت، بالإلحاح والحصار، مما يخلق ما يسمى بالنكد.


فهل لم تكن النساء هكذا في العصور الأقدم؟ 

كن راضيات بمكانهن في البيوت، ويعلمن أنهن غير قادرات على الحركة في المجال العام، أو خارج حدود البيوت، فكانت الأمور في حدود، دائما، وكن يتفنن في الحفاظ على الرجل، وليس محاصرته، لأنه خارج البيت، وهي لا تخرج بما يكفي لترى اختلاطاته بالأخرين، وكانت فكرة الزواج أكثر من زوجة مسلم بها، فمحاولة الحصار والإلحاح، وإثبات الوجود، من أجل السيطرة عليه، لا تجدي، بل ما يجدي هو أن تجعله دوما متعلقا بها، بإحسان رعاية بيته، وإثارة إعجابه، وسد حاجته.

كما أن الرجل لم يكن يجد الفرص متاحة للهو والعبث خارج البيت، لأن النساء لم تكن متاحة خارج البيوت، فلم تكن مهمة المرأة عسيرة.

أما حاليا، فالمرأة في كل مكان، فالحرب شرسة، وفي ذات الوقت أصبح الرجل أكثر ميلا للتخلص من زوجته، لأن الفرص كثيرة جدا وسهلة المنال، فكثرت بالتالي مآسي النساء، وبدأن في البحث عن الإعالة اعتمادا على الذات، مما أدى إلى تخريب البيوت، وضياع الأجيال الجديد، ولم تنجح المرأة مع هذا في الحفاظ على الرجل، ولا الفوز على الأخريات، ولا قدرت على التحكم في مجرى الصراع، ولا حققت النجاح في العمل، بدون استخدام عناصر الأنوثة، فهي مسيرة حياة إلى شتات، لا نهاية له، ولا أمل في تحقيق أي أهداف استراتيجية أبدا.

والصحيح هو ما جعله الله في الفطرة، للرجل وللمرأة، فأمر المرأة أن تقر في بيتها، وتتستر وتطيع رجلها فقط، ثم سيأتيها كل ما تريد، وتدخل الجنة بأمومتها، وتحقق أجر الجهاد في سبيل الله بحسن تبعلها لزوجها، لكن المرأة تأبى إلا الشقاء والعناء، وأن يكن أكثر أهل النار، وبدون أن يحققن شيئا جوهريا.

وبالطبع، فالأمر ليس علاقة سبب تؤدي إلى نتيجة، بل هي سبب أدى إلى نتائج، أدت إلى أسباب لنتائج أخرى، وهذه استمرت فأدت لأسباب أدت لنتائج ... هكذا تستمر الدوامة بلا توقف، فيصبح من الصعب فهم لماذا كان ما هو كائن، ويصبح من المرفوض محاولة التفسير على أساس القيم الأساسية، فقد وصل البشر إلى مراحل أعمق في تلك الدوامة، وهم لا يريدون إلا النظر إلى ما يرونه، دون الرجوع إلى الأسباب الجذرية. 

الثلاثاء، نوفمبر 29، 2022

الحب في "الحب في زمن الكوليرا" ... ما الذي نبحث عنه في الروايات؟!

 أتكلم عن رواية الكاتب الكولومبي، الحاصل على جائزة نوبل للآداب، جابريل جارسيا ماركيز (1927-2014) الحب في زمن الكوليرا، بعنوانها الموحي بقصة مأساوية، أو ما يشبهها، فإذا هي رواية في خلفيتها أمران: الأول وباء الكوليرا، والثاني حروب أهلية متتابعة، والغريب أن كلا الأمرين يجري في الهامش البعيد عن شخوص الرواية، كأنما ليسا جزء منها، وتتوقع طوال الوقت أن تجد الوباء يشتد، أو أن الحرب تحتد، فلا يحدث، فليس لهما "حضور" بالمعنى الحرفي للكلمة، في الرواية، فهل كان في الرواية حب؟




هذه رواية ثرية كأنها بحر خضم من التفاصيل، تبدأ مملة نوعا ما، تتحدث عن حياة شخص ما، مات للتو، انتحارا، و استدعوا الدكتور أوربينو، الطبيب الأشهر في المدينة، لفحصه، ولا أستطيع أن أحدد مع عدد كبير من الصفحات إلى أين تتجه الأحداث، هل ستكون ذكريات الدكتور أوربينو مع صديقه هذا، الذي قتل نفسه، أم ستكشف من خبايا حياة هذا الشخص، والذي ألمحت الرواية، إلى أنه عاش حياة غامضة نسبيا، أم ستكون عن الدكتور أوربينو ذاته، الطبيب الأرستقراطي البارز، والذي توسعت القصة في وصف مكانته، وإنجازاته الكبيرة في المدينة، وفي الحقيقة، فإن هذا الوصف كان جذابا إلى حد كبير، عريضا، يجعلني أكاد يسمع ضجة ،الحياة التي أثارها الدكتور في تلك المدينة، من بعد عودته من أوروبا، ويعتبر هذا، مجازا، الفصل الثاني من الرواية، والذي قد أزال الإحساس بالملل، ولكن، فجأة، يموت الدكتور أيضا، ويبدأ فصل جديد من الوصف التفصيلي لشخصية فيرمينا داثا، الفتاة المتمردة دائما، والتي ينتهي تمردها على لاشيئ عادة، ثم تجد ذلك الشخص فلورينتينو أريثا، الذي وُصف خلال القصة بأنه كالشبح، كأنما هو لا يوجد في الحقيقة (حقيقة الرواية)، ثم نكتشف أن هذا الشخص هو محور الرواية، التي دامت أحداثها أكثر من 51 سنة.

إن كم التفاصيل في وصف الشخصيات، وما يدور في أدمغتها من أفكار، وفي وصف الرحلات النهرية، وقوافل البغال على الجبال، ومناظر القرى المتبعثرة من أعلى، من خلال رحلة المنطاد، وطيور وحيوانات بيت الدكتور أوربينو، والتغيرات التي تمت على مدافن المدينة على مدي عشرات السنين، والتحول من خدمة البرق إلى خدمة الرسائل البريدية، و تطور خدمات النقل البحري، وأخبار الحروب الأهلية المتوالية - إنه كم هائل، ومع ذلك ليس مرهقا، كاد المؤلف أن يقسم روايته فصولا، لكنها فصول متداخلة، أو مراحل اعتبارية، مراحل تغوص في ماضي إحدى الشخصيات، ثم تعود إلى الزمن الحاضر، لنرى انعكاسات هذا الماضي، وتضعها في السياق، ومن ثم تختار شخصية أخرى، فتعود بنا إلى الماضي من جديد، لنرى كيف صارت هذه الشخصية، ما هي عليه في الحاضر وكيف صارت جزء منه، يتكرر هذا، مع أكثر شخصيات الرواية، وهي شخصيات كثيرة، وتطول هذه الرحلات الزمنية مع الأشخاص الأساسيين، ولبعضهم أكثر من رحلة في الماضي.

وهذه الانتقالات بين الماضي والحاضر، منسجمة ومتداخلة جيدا، فلا أشعر إلا بأن القصة، دفعة واحدة من الحكاية، لا توجد فواصل واضحة، أو فصول يمكن الإشارة إليها بدقة، فالكتابة مسترسلة، تتنقل من حدث لحدث وشخص لشخص، ولا يبدو أنها تهتم بالحرص على إبراز التسلسل الزمني، فلما تتم القراءة تجد أنك تعرف التسلسل الزمني، أو تستطيع أن تضعه بنفسك، إن كان من الضروري وضعه، ونحن في الواقع، لا نهتم بالتسلسل الزمني إلا في تحقيق الشرطة مثلا، بينما المهم في كل وقت هو المعنى من وراء الأحداث، وسياقاتها، وليس من غالب طبع الناس أن يتكلموا متوخين التسلسل الزمني، بل هم ينتقون من الوقائع ما يشير إلى المعنى المرغوب، وعلى السامع أن يستكمل الصورة، كيفما يرى، فهكذا أجد الحب في زمن الكوليرا.

أما أنها قصة عن الحب، فليس في هذه الرواية الطويلة، أي أجزاء من الغرام أوالوله، التي يوحي بها العنوان، بل إن الخيط المحوري فيها، وهو العلاقة ما بين فيرمينا داثا، وفلورينتينو أريثا، لم يكن فيه إلا بعض ترهات المراهقة الساذجة، التي لم تدم طويلا، إذ قام أبو البنت الجميلة فيرمينا بأخذها بعيدا عن فلورينتينو، الشاب الذي لم يكن له محل من المجتمع، بل إن أباه لم يكن يعترف به قانونيا، وأراد الأب أن يمنع التواصل بينه وبين ابنته، لما لم يجده يناسب خطته لحياة ابنته، فرحل بها إلى بلاد إخوانه البعيدة فوق جبال وعرة، وهنا تحولت المراهقة الساذجة، إلى شيئ ما، فالعند في النفس البشرية عجيب، فيما يدفع النفس إليه، العند ليس له منطق، بل إنه في الأغلب انعدام المنطق.

لقد حول تدخل الأب تلك الحكاية الطفولية، إلى "حقيقة" يتمسك بها الطرفان، رغم أنها لا يوجد فيها مضمون له قيمة، إلا نظرات عن بعد، وتخيلات، ولقد وجد فلورينتينو وفيرمينا وسيلة للتواصل عبر الرسائل والبرقيات، رغم بدائية سبل الاتصال ذلك الوقت من بدايات القرن العشرين، وفي الحقيقة، لم يكن بينهما عندما عاشا في نفس المدينة إلا مثل هذه المراسلات، لم يتكلما إلا مرة.

فلما مرت سنتان أو أكثر، وعادت البنت إلى المدينة من جديد مع أبيها، بدأت تعيش وكأنما انتهت فترة المراهقة، صارت سيدة بيت أبيها، بعدما أبعد أبوها عمتها، التي كانت سبب السماح بنشأة التواصل ما بين بطلي القصة، وفي ظهر يوم حار مزدحم، بينما تتجول الفتاة في سوق المدينة، تابعها فلورينتينو أريثا ثم وقف أمامها فجأة، وحياها، فإذا بها تقول له لا لا!.. لا حاسمة نهائية، بلا أدني حاجة للتفكير، قرار كان فوريا، وكان مقنعا لها في الحال، وانتهى الأمر، فأي حب هذا الذي يمكن البحث عنه في الرواية؟ وإن يكن هناك المزيد من التواصل بينهما، سيحدث بعد خمسين سنة تالية، بعدما جاوزا السبعين من العمر.

بدأ الدكتور أوربينو ينتبه لهذه الفتاة البارعة الجمال، عندما اٌستدعي يوما للكشف عليها، ثم عاد يوما آخر لإعادة الكشف، بلا دعوة، فقط أراد أن يراها، فتعاملت معه بحدة وعند، بلا داع، إلا أنها تريد ذلك، وعنفها أبوها على تصرفها عندما وجد في الدكتور صورة الشخص الذي تمناه لابنته، وصار هو والأب صديقين، برغم تباعد المراكز الاجتماعية بينهما، ولسبب واضح، فلما تقدم الدكتور ليخطبها استبعدت هي الفكرة تماما، بلا تفكير، برغم إالحاح الأب.

ثم لما داهمتها عاصفة ممطرة ذات يوم، هي وابنة عمتها، اضطرت الاثنتان إلى ركوب عربة الدكتور ذات الحصانين، التي كانت تمر قريبا، جلست فيرمينا طوال الرحلة، حانقة من هذا الوضع، في حين كانت ابنة العمومة تستمع بالوقت مع الدكتور الشهير، فلما جاءتها رسالة من الدكتور بعد عدة أيام، تطلب منها الموافقة على الزواج فإنها وافقت، وافقت وحسب، بلا تفكير، إنما اشترطت عليه ألا يجبرها على أكل الباذنجان، فقد كانت تكره الباذنجان، وظلت تكرهه وتمنعه في بيتها، إلى أن استمتعت بوجبة العشاء في إحدى الحفلات، بعد سنوات طويلة من الزواج، واكتشفت أنها كانت الباذنجان، فمن ذلك الوقت صارت تحبه وتطبخه بنفسها.

وعاشت مع الدكتور قرب نصف القرن، زيجة ناجحة شكلا، لم تخل من كثير من الأوجاع، مع انها ارتقت بها إلى أعلى الدرجات الاجتماعية، رغم تعنت أبناء هذه الطبقة معها في البدايات، لكنها مع الوقت أصبحت سيدة المجتمع، ربما الأبرز فيه، مع أنشطة زوجها الاجتماعية، وأعماله التي نقلت المدينة نقلة نوعية إلى المستقبل، ولما مات زوجها كان رئيس الجمهورية ذاته من ضمن المعزين، وقد كان وصف بيت الدكتور أروبينو ممتعا، بما حوى من حيوانات وطيور، خاصة الببغاء المتمرد، الذي كان سببا في حادثة موت الدكتور، في عصر أحد الأيام.

أما العاشق الموهوم، فلورينتينو، فلقد فقد اتزانه لسنوات قليلة، بدون أن يضيع أو يفقد التحكم فيما يعمله، واختلق لنفسه حياة أخرى موازية عاش فيها واعيا تماما، وترقى بلا وعي، في عمله في شركة التلغراف، ورغم عشرات العلاقات الجنسية التي عاشها، بداية من فقده عذريته، على متن إحدى السفن، عندما "اغتصبته" إحدى النساء، في الظلام، ولم يتمكن أبدا من معرفة من كانت، فقد أبقى كل علاقاته في سرية محكمة، واعتبر أنه بهذا يبقى مخلصا لفيرمينا! .. وعاش واحدا وخمسين سنة، ولم تعرف بقصة حبه الموهوم، إلا أمه، فعند البعض، لما لا يمكنه أن يصل إلى مراده، يصير من السهل عليه أن يختلق لنفسه حياة أخرى، ويعيشها بجانب الحياة الحقيقية، لأنه لا يريد أن يرى حياته بدون هذا المراد، وهكذا فعل فلورينتينو.

عاش في عالمه الخاص، إلى أن ارتضى في مرحلة ما، أن يعمل مع أعمامه في شركة الملاحة النهرية، تلك الشركة التي صارت إليه وحده، في النهاية، ليصبح من أعلام رجال المدينة، وإن لم يصبح أبدا شخصا طبيعيا، بل بقى يعيش حياتين، يتسامع القوم بالحجرة الملحقة بمكتبه، يلاقي فيها خليلاته، إلا أن أحدا لم يمكنه أن يثبت عليه أمرا أبدا، وبمظهره الغريب، ومحدودية تعاملاته مع الناس، فقد صاروا يعتبرونه شبحا، وارتضى هو هذا، ووجده مناسبا تماما، ووصل به الأمر، أن أقام علاقة جنسية مع طفلة دون الخامسة عشرة، وهو على مشارف السبعين، جعله أهلها وصيا عليها، وأرسلوها إليه، لرعايتها دراسيا، فكانت تمضي الأسبوع بالمدرسة الداخلية، وتقضي عطلة نهاية الأسبوع معه، في حجرته الملحقة بمكتبه، فلما مات الدكتور أوربينو، وأمكنه بالإلحاح أن يحصل على استجابة فيرمينا على التواصل معه كصديق، يزورها ويمضي معها وقتا في بيتها، ومع ابنها وابنتها في بعض المناسبات، فعند ذلك تخلى عن علاقته بالبنت الصغيرة، من أجل ما كان يراه حب عمره، الذي عاش له أكثر من خمسين سنة، وحين أيقنت البنت الصغيرة مما حدث، قتلت نفسها، واللافت أن قتلها نفسها قد جاء، بينما كان فلورينتينو وفيرمينا على متن باخرة نهرية، ليكونا، وحدهما، لأول مرة بعد أكثر من نصف القرن، ولما وصلته أخبار موت البنت المسكينة، لم توقف خطته للفوز بحبيبة العمر، حتى بعد أن نالت الشيخوخة منهما كل منال.

فهل هناك قصة حب، أم هو وهم، عاشه فلورينتينو، ومع طول التوهم، تحول إلى واقع، في قلب حياته الحقيقة، فبتعبير دقيق هو لم يعش حياتين، بل عاش حياة في داخل حياة أخرى.

أما فيرمينا، فمع قدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية حاسمة، مفاجئة، فإنها تبقى أنثى، حتى وإن جاءها عاشق زمن المراهقة، ليقول لها إنه انتظر "هذا اليوم"، واحدا وخمسين سنة - جاءها يقول لها ذلك، في يوم عزاء زوجها، والأنثى تحب أن تكون محل الحب في كل حال، مع أنها نهرته بشدة على تصرفه الذي لم يكن في الوقت المناسب!

وخلال أسابيع من الرسائل، بدءا في التلاقي من جديد، وبدأت تظهر ملامح حمرة خجل أنثوية على ملامحها، ولما كان فلورينتينو هو مالك شركة الملاحة، فقد أهداها رحلة خاصة، تحمس لها ابنها وابنتها بشدة، ليخرجاها من وحدتها، بعد موت الدكتور، ثم فوجئ كلاهما بأن فلورينتينو أيضا كان ضمن الرحلة، وأسقط في يديهما وهما يشاهدان المرأة والرجل يلوحان لهما من على ظهر السفينة.

وكانت النهاية على تلك الرحلة المائية، التي رفع قبطانها علم الكوليرا عليها، ليخرج كل من فيها من الركاب، إلى سفن أخرى، ثم تجوب السفينة المياه، بلا هدف، وعليها فيرمينا وفلورينتينو، "يحققان"، ما كان مفترضا أن يكون منذ واحد وخمسين سنة، بما بقي في أيهما من بقايا حياة، وأطلال أجساد.

رحلة طويلة للغاية، وممتعة، وغنية، نرى فيها أعماق نفس بشرية فنشهد مراحل تطور الفكرة والخاطرة، وبلا تعمد التحليل النفسي أو التفلسف من جانب المؤلف.

ولعل هذا هو سر نجاح الرواية، أن تعرض نفوسا، قبل أن تعرض أحداثا، فنرى الأحداث منعكسة على خواطر وأفكار تلك النفوس، بلا تصنع أو تكلف الشرح أو التحليل، ولذا لا أنسى من يوسف إدريس مثلا، على كثرة ما قرأت له إلا رواية البيضاء، ففيها رؤية من الداخل لما يدور في فكر ذلك الشخص في الرواية، بخصوص تلك البنت التي يسعي لينال منها، أو "ينالها"، بتعبير يوسف إدريس.

وفي الحب في زمن الكوليرا، أشخاص مكشوفون أمامي، أفهم ما يحرك أعمالهم، فمجرد فهم ما يفعلون، كبشر تدفعهم دوافع وتجذبهم مغريات، هو الأمر، وفي عرض هذه النفوس، هناك صدق وطبيعية، يقبلها العقل، باعتبار أنها نفوس في ظروف انفعلت بحسب الظروف، وجاء الانفعال مقبولا تبريره بهذه الظروف، وكما سبق، وكما نجح "ماركيز" تماما في روايته، فيجب أن يكون عرض أحوال هذه النفوس البشرية، بلا تعمد التحليل النفسي أو التفلسف، فأتاح للقارئ أن ينشأ فلسفته وتحليله الخاص بشأن هؤلاء الأشخاص، وما يعيشونه.

ووجود نفس بشرية في أي رواية، لابد، مع هذا، وأن يرتبط، بمرجعية قيمية، لأن الرواية صورة من حياة، ولا حياة بغير أساس تقوم عليه، لا يجب أن توافق هذه المرجعية مرجعيتي، فليس في الحب في زمن الكوليرا، ما يوافق مرجعيتي أنا، لكن هناك مجتمعا قائما، له ملامح، ولا يسعى المؤلف لكي يعظ أو يغير في معايير قيام المجتمع، هو فقط يصور عددا من الأشخاص في ظروف حيوات متداخلة، و يتركهم يتفاعلون، لا يوجههم، ولا يقسرهم على توجه ما، وكما أن العلاقات الجمعية بين أفراد المجتمع تقوم في جانب كبير منها، على الأعراف، وسوابق الحوادث التي ارتضاها المجتمع، فأقرها، فإن الرواية الناجحة تقدم سابقة من السوابق، أو حالة ما، يمكن منها استنتاج معنى ما، أو تعميق و تنقيح فهم، لبنية المجتمع، وتفشل القصص إذا ما قالت هذا هو الصحيح و هذا هو السقيم، من مراقب يضع نفسه أعلى من أفراد مجتمعه. 

الأحد، أبريل 17، 2022

الهجمة على دين الإسلام

 يحاول البعض ترويج تفسير لآية سورة النساء 34 "الرجال قوامون على النساء" ، بالقول إن لفظ "قوامون" يعني أن الرجال يقومون على خدمة النساء، بل و أن القوامة هي المبالغة في الخدمة، و هو تفسير من الهوى، لا يصح، فإن الآية توحي بمعنى السلطة و ليس الخدمة و الرعاية فقط لإرضائهن ، توجد الرعاية و لكنها الناشئة عن السلطة، فالمسلَّط راع، و الدليل الواضح هو وجود التوجيه بكيفية العقاب في آخر الآية، و لا يعاقب إلا صاحب السلطة، و تكون العلاقة الزوجية على هذا قائمة على كون السلطة و الرعاية للرجل، و وجوب الطاعة من الزوجة، و هو الترتيب الفطري لمنظومة الأسرة، و كل منظومة لابد لها من قائد، و يجرى ذلك في إطار قول الله تعالى في سورة البقرة 237 "ولا تنسوا الفضل بينكم" فهذه الآية كذلك نزلت في أمور العلاقة الزوجية، بل إنها جاءت في إطار الحديث عن الخلاف و الاقتراب من الطلاق، فإذا مر الله بالتعامل في الفضل في تلك الظروف، فإن الفضل في التعامل خلال علاقة الزواج المستقرة أولى، و هو ما لا يمكن أن يعني أبدا ما يعمل البعض على ترويجه من إن قيادة الرجل هي سيطرة و تحكم، و تبعية المرأة إذعان و قهر.



ولكن المشكلة تبقى قائمة، حتى لو تم توضيح معاني الآيات، فلقد تشوهت قلوب الناس، وراح منها الفضل، فالمرأة تتأبى أن تقبل مجرد فكرة أن للرجل عليها سلطة في البيت، بينما تقبل سلطة أي رجل آخر في العمل مثلا، والرجل بحكم طبيعة تركيب البيوت وما فيها من مسئولية يمارس السلطة، فيقع الشقاق في البيوت ولا ينصلح.

 ومجرد أن يبدأ الكلام عن حقي وحقك، فإنه يصعب العودة من جديد لاتباع الفطرة السوية، والتعامل بالفضل والمودة، خصوصا ووسائل الإعلام تسعى طوال الوقت لإفساد العقول بهذه الأفكار التي يسمونها "النسوية"، والتي تغص بها المسلسلات التليفزيونية، و الأفلام، و للأسف أن بعض رجل الدين من منطلق استرضاء النساء فإنه يميع تفسير بعض المعاني، و كأنما هناك تحرج من فطرتنا التي فطرنا الله عليها.

هناك حكاية ذات مغزى واضح تقول إن أم أربعة وأربعين كانت ترقص بمهارة أثارت إعجاب جميع سكان الغابة، فكانوا يتجمعون حولها لمشاهدة حركاتها باستمتاع كبير، فيجزلون لها التحية والتصفيق وأشكال الإعجاب، إلا السلحفاة فلم يرقها ذلك، واشتدت بها الغيرة، من أن تكون أم أربعة وأربعين مثار الإعجاب هكذا، وأرادت منعها من الرقص، لكنها لا يمكنها الادعاء بأنها ترقص أفضل، و لا أن تدفع الحيوانات بعيدا عن مشاهدة أم أربعة و أربعين، كما أنها لا يمكنها التعبير عن أنها لا تحب رقصها خشية أن تتعرض للسخرية، فاحتالت.

 وكانت حيلتها أن أرسلت رسالة إلى أم أربعة وأربعين تعبر فيها عن إعجابها الشديد، بمهاراتها، ثم سألتها سؤالا واحدا، سألتها كيف تبدأ الرقص، هل تبدأ برفع الرجل اليسرى رقم كذا أم اليمنى رقم كذا، أم اثنتين معا أم ماذا تصنع بالتحديد؟ ثم وجهت لها التحية ومزيد الإعجاب.

فلما قرأت أم أربعة وأربعين الرسالة بدأت تفكر، فسألت نفسها نفس السؤال، عن كيفية ترتيب حركاتها عندما تبدأ، وبسبب ذلك التفكير، فإنها لم تعد قادرة على الرقص من جديد بمهارة أو سهولة، و لا حتى استمتاع، و السبب أن الوعي في صورة التفكير الزائد في الذات، قد قيد خيالها و منعها من الانطلاق الحر في أحاسيسها و الاستمتاع، و شرخ انسجامها مع نفسها.

 فكذا يحدث في البيوت، ما أن يبدأ الكلام عن الحقوق، و عن السلطة، و المسئولية، و من يؤدب من و من يطيع أو لا يطيع، و عن كياني و كيانك و شخصيتي و شخصيتك .. و ذاتي و ذاتك .. ما أن يبدأ ذلك حتى يفقد الزوجان أحاسيسهما الفطرية الجميلة، التي تجعلها يتعلقان ببعضهما، وما أن تنشرخ البيوت، فإنه لا صلاح لها من جديد.

 و مجرد وجود سورة باسم "النساء" في القرآن، بينما لا سورة باسم "الرجال"، يعني أن ينتبه المسلمون إلى أن للنساء وضعا لابد فيه من ترتيبات محددة، و يعني أن الرجال هم الذين يتبنون هذه الترتبيات بناء على آيات القرآن و سنة الرسول صلى الله عليه و سلم، فالمجتمع يقيمه الرجال و النساء جزء منه، فالرجل هو صاحب السلطة و القوامة، و هو يدير أمور النساء، فلماذا؟ لأن النساء هن الثغور، من خلالهن يسهل إفساد المجتمعات، وهن حماة الأطفال، الذين هم المستقبل.

 والذي يجري حولنا طوال الوقت في وسائل الإعلام، هو المرأة  .. المرأة .. حقوقها .. حريتها .. تقويتها .. استقلالها .. التحرش .. ملابسها .. عملها .. جسدها ..  و ما لا آخر له، فماذا نفهم من هذه الحملات المكثفة؟ 

نفهم أن فساد المجتمع يأتي من هذه الناحية، لأن الإلحاح في هذه الأمور يؤدي أمام أعيننا إلى انهيار الأسر و اضطراب المجتمع على مدى واسع ... 

و لذلك جعل الله أمور النساء منظمة في شرعه، و جعل الرجل مسئولا عنها، و قال تعالى للنساء "و قرن في بيوتكن" .. و ما كانت توصية الرسول بالنساء إلا لأنهن محل الضعف، و الإفساد و التخريب يسهل أن يأتي من خلالهن، بإغرائهن و اللعب على أهوائهن

فلابد من الانتباه، و لا يجوز قصر التوصية على أنها أن نكرمهن و ندللهن، بل هي أولا أن نحميهن، و نراعيه ، فلا تأخذهن المغريات، فتنهار الأسر و يفسد المجتمع، و كأنهن من حدود الأمة لابد من حمايتها، و في ذلك فلا قيمة لأفكار الحرية و المساواة المزعومة، و غيرها، لأنه في سبيل أمن الأمة و صيانة مستقبلها، لا شيئ غال.

 

الأحد، فبراير 20، 2022

ظروف نهاية العالم

 تحكي الأحاديث النبوية أحداث نهاية الزمان، فنجد فيها أحوالا غير الأحوال و عالما غير العالم، فالدجال سيطوف بالدنيا، و يدخل البلاد كلها إلا مكة و المدينة، و يتبعه خلق كثير، و سوف يقتل رجلا علىرؤوس الأشهاد، و سيأتي عيسى عليه السلام، فيقتله، و ستعود بلاد العرب مروجا خضراء، و سوف تخرج الدابة تكلم الناس، و ستكثر الفتن، و يكثر القتل، و تكثر الكوارث و النوازل.


و سيقاتل المسلمون اليهود، و تعود الخلافة من جديد، كما أن هناك الكلام عن المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلا، بعدما ملئت جورا.


ففي خلفية هذه الأحداث الكبرى، يكاد يكون هناك شيء واحد، يبدو أنه لابد منه، لتقع تلك الأحداث، و هذا هو انهيار نظام العالم القائم بيننا، انهيار نظام الدول القومية و الحدود، فيسيح الناس في الأرض لا يمنعهم، شيئ، يتقاتلون على كنز الفرات، و يتبعون الدجال، و يتبعون المسيح و المهدي، و ستقوم خلافة مسلمة سوية، فكيف ذلك، مالم نكن في عالم آخر، منفتح، سائل متقبل للتشكيل، تشكله أي قوة تقدر على هذا.


فكيف سيحدث أن يتم تدمير نظام العالم، هل بكارثة طبيعية؟ إن القرآن لم يحدث بأن الله قد يدمر الأرض، بل إنه سبحانه و تعالى قد كتب أن سيظهر نور الحق، و لو كره الكارهون، فهو صراع مستمر بين الحق و الباطل يحكمه قانون التدافع، فلن يجري الله علينا سنته في التدمير الذي كان مع الأمم السابقة، من عهد نوح إلى عاد و ثمود، و مسخ اليهود، بل لقد وعد الله اليهود  قد لعنهم بأنهم سيعلون علوا كبيرا، و سيرسل الله عليهم عبادا له فيتبرون ما علوا تتبيرا، ثم إنهم إذا عادوا عاد الله تعالى، فلهم أن يبقوا في الدنيا، إلى نهاية العالم، لن يدمرهم الله بآية كونية، كما أنه سبحانه و تعالى جاعل الذين اتبعوا عيسى عليه السلام فوق الذي كفروا إلى يوم القيامة، كما حدثنا القرآن الكريم.


فالبادي أن آية كونية لن يرسلها الله تعالى لتدمير الأرض.


فهل ستكون القنابل النووية، التي كدسها البشر، سببا في تدمير العالم، إن هذا وارد، و إن قيام بلاد مثل الصين و روسيا، ضد أمريكا و أوروبا، كما أن وجود كوريا الشمالية، و إيران، و إسرائيل، لعوامل تدفع نحو حرب عظمى، و لن يتعقل المحاربون عن استخدام السلاح الأشد، و قنبلة واحدة لن تكون إلا الأولى في سلسال طويل من القنابل، لن تتوقف إلا عندما يموت من يطلقونها.


و من بعد هذا يعود الناس إلى الماضي، فلا دول و لا حدود، بل جماعات، تتصارع من أجل البقاء، و يعود الإنسان إلى صوابه ليعلم أن لا إله إلا الله، فيعلو الدين في الأرض من جديد، و يتحدد الصراع ليكون ما بين المسلم و غير المسلم، و تبدأ الأحداث الكبار.
فكيف ستبدأ هذه الحرب؟ لم يعرف أحد أبدا كيف تبدأ الحرب.


هل الصراع على كنز الفرات سيكون المبتدأ؟ من الممكن، فإن الحديث النبوي، يقول إن الناس سيقتتلون عليه، فيموت من كل مئة 99، لكن ذلك التقاتل يستلزم أن يكون ذلك الكنز أملا للجميع، أي أن تكون الحياة في الأرض بائسة، بالفعل، فيظهر الكنز ليهرع إليه الناس طمعا في الوصول إليه قبل غيرهم، لكن هذا ليس ضروريا، فالطمع طبع بشري، و ما مآسي العالم القائمة إلا من طمع الدول الغنية في ثروات الدول الضعيفة، فقد يكون التقاتل على ذلك الكنز مجرد بدء الصراع، و قد يكون من الأحداث التي تقع بعدما بدأ التصارع و خربت الأرض، و يضاف هنا أنه قد لا يكون فرات العراق، بل إن له تفسيرات أخرى.
فالخلاصة أن العالم سيخرب، و أن نظام الدول القومية و الحدود سينتهي، أهي حالة ستبدأ من حرب أوروبا و روسيا في أوكرانيا، أم من حرب تتعلق بالمنطقة العربية، أم من النزاع بين أمريكا و الصين في أقصى الشرق، أم من حدث آخر ؟؟ لا يعلم الغيب إلا الله.


و لا يجب أن نستقرأ الأحداث الجارية، فنتوقع منها أن تكون بداية النهاية، كما أننا لا يجب ألا نتوقع، بل لابد أن نستقرأها و نتوقع ما قد تؤول إليه، لكن لا نقرر في كون الله بما نرى، فما يجري يجري و سيستمر في ذلك، فلنقرأ ما فيه، ثم لا نجعله كل ما في الأمر، فقد لا يؤدي إلى النهاية المنتظرة.


و رغم أن روسيا و أوروبا و أمريكا هم القوى الكبيرة اليوم، فالحرب ما بينهم إن جرت، قد لا تكون حرب نهاية النظام العالمي، و قد تكون، بمعنى أنه لا يجب أن تكون الشرارة كبيرة جدا، لتكون النار كبيرة جدا، فأكبر النار من مستصغر الشرر.


قد تقع الواقعة بداية من أمر صغير يكبر أمام أعيننا في زمن غير محسوس، أي بسرعة عجيبة، فتبدأ الأحداث، و نجدنا أمام عالم قد خرب، من قبل أن نتنبه كيف جرى ما جرى، فإن في الروايات أن المهدي، يصلحه الله في ليلة، و أن الدجال موجود، ينتظر الخروج، و الدابة في الانتظار، و يأجوج و مأجوج قابعون خلف جدار يعملون على نقبه ليل نهار.
لا شيئ نفعله في هذا، لأنه لا شيئ نفعله، يمنع ما سيكون.


بينما ما يجب علينا فعله هو أن نتقي ذلك اليوم الذي سنرجع فيه إلى الله، و أن نتقى الفتن من قبل ذلك، فإنها فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا و يمسي  كافرا، و يصبح كافرا و يمسي مؤمنا .. 


إنه الاختبار النهائي الذي وجب الاستعداد له.

 

20-فبراير 2022

الأربعاء، فبراير 03، 2021

النزول من القمة إلى قمة أعلى


 كتب جيف بيزوس مؤسس شركة أمازون رسالة إلى موظفي الشركة يعلنهم فيها استقالته من منصب المدير التنفيذي (CEO) و قيامه بمنصب الرئيس التنفيذي (Executive Chairman)، و الذي سيعمل فيه على مبادرات و توجهات أبعد مدى، ذات طبيعة استراتيجية اجتماعية و إنسانية و تكنولوجيا كذلك، و الذي قد لا يكون تحت نفس مستوى الأضواء الواقعة في إنجازات امازون المشهورة.


و إنه لخبر مثير، أن يترك مكانة كهذه في أوج تألق الشركة التي أنشأها ليقوده آخرون، ليسعى هو في مستوى آخر، إلا أننا عندما نذكر أن بيل جيتس قد فعل أمرا مشابها منذ سنين في ميكروسوفت، و أن أسماء كبيرة غيرهما من رؤساء الشركات يتركون مناصبهم التي يذكرها لهم تاريخ الاقتصاد و الأعمال و التكنولوجيا، بل و تاريخ العالم السياسي كذلك - عندما نذكر هذا نفهم أن السلطة لا يجب أن تكون أبدا غاية، على أي مستوى.


إن الشخص المتمسك بالسلطة إنما يدل بتمسكه بها أنه ليس مؤهلا لها، و لقد أقول إن الدليل على جدارة صاحب السلطة، أي سلطة، هو قدرته على النزول عنها بسلاسة و سلام.


غير أن السعي للسلطة مختلف، فلكل شخص الحق في السعي إلى السلطة، بل إنه لمن نوازع النفس الطبيعية أن تطمح إلى ما هو أعلى، و إلى ما يمكّنها من توجيه العالم من حولها بحسب رؤيتها، لكن الفكرة الجوهرية هي أنه يلزم للساعي إلى السلطة، أن يضع في تخطيطه، المخرجَ من مقعد السلطة، و إن من خصائص القائد المؤهل، مهارة تكوين رؤى للمستقبل فيما يسعى إليه، فيرى السلطة الساعي إليها، و يرى نفسه فيها، و يرى نفسه أيضا يغادرها يوما ما، يجب عليه أن يفكر كيف ينزل من قمته ليستقر على قمة أخرى، و يبقى ذكره محمودا في التاريخ. 


ليس خطاب بيزوس أفكارا خطابية و تمنيات و حسب، بل نجد فيه درجة من التأريخ، و رصدا بسيطا دقيقا بدون إبهار و لا طنطنة، لإنجازات أمازون، و فيه كلام واقف على أرض الواقع تماما (أي بدون خطابة و كلام كبير مرة أخرى) عن المسئولية المجتمعية، و هي سمة القادة، أن يتحدثوا عما هو واضح ملموس للفكر و العين و اليد، لا عما هو فضفاض و خطابي بلا مضمون أو حقيقة، و هذه محاولتي لترجمة ذلك الخطاب:


الزملاء في أمازون


يثير مشاعري أن أعلن لكم أنه في الربع الثالث من هذا العام، سأنتقل إلى منصب الرئيس التنفيذي لأمازون، و أن "أندي جاسي" سيصبح المدير التنفيذي، أنوي كرئيس تنفيذي، توجيه طاقتي و اهتمامي إلى اتجاهات جديدة و مبادرات مستحدثة، و "أندي" معروف في الشركة، وقد عمل في أمازون من الوقت مثلي تقريبا، فسوف يكون قائدا متميزا، أضع فيه ثقتي التامة.


بدأت هذه الرحلة منذ حوالي 27 سنة، عندما كانت أمازون مجرد فكرة، لم يكن لها اسم بعد، و كان أكثر سؤال وُجه لي في حينها هو "ما هي الإنترنت؟، و كم يسرني أنني لم أعد أحتاج لتفسير معنى الإنترنت و ذلك من زمن طويل.
اليوم نوظف 1,3 مليونا من الموهوبين المتفانين فيما يعملون، نخدم مئات الملايين من العملاء و الشركات و الجهات، و نحن معتبرون على مدى واسع كإحدى أنجح الشركات في العالم.


كيف تم ذلك؟ الابتكار، الابتكار هو أساس نجاحنا، لقد أنجزنا أشياء مجنونة معا، ثم جعلناها طبيعية مألوفة، لقد كنا الرواد في استطلاعات أراء العملاء (Customer Reviews)، في عملية الطلب المبسطة على الإنترنت "One-Click"، في التوصيات الفردية (Personalized Recommendation)، في برايم (Prime) الذي ينتشر بلا حدود، في منظومة Just Walk Out  (نظام يسمح للعملاء بدخول المحلات و حمل ما يريدون شراءه دون التوقف عند الدفع - هذا من عندي أنا) التي تتوسع، في مبادرة منع الانبعاثات الكربونية (Climate Pledge)، في كيندل، في ألكسا، في سوق أمازون، في الحوسبة السحابية، في برنامج التأهيل الوظيفي (Career Choice)، و الكثير غير هذا، و لو أنكم وعيتموها جيدا فإنه خلال سنوات من ابتكار شيئ مدهش و غريب، فإنه يصبح طبيعيا.


إن الناس يتثائبون من الملل، و هي أقوى شكوى تصل المبدع المخترع.


لا علم لي بشركة أخرى لها هذا السجل الحافل من الابتكارات مثل أمازون، و أرانا في أفضل حالاتنا الإبتكارية، و أملي أن تكونوا فخورين بإبداعنا مثلما أنا، و أعتقد أنكم لابد أن تكونوا.


عندما صارت أمازون كبيرة، قررنا أن نستغل حجمنا و مكانتنا، لنكون روادا على المستويات الاجتماعية، و اثنان من أقوى الأمثلة تأثيرا في هذا، هما رفع الحد الأدني للأجر إلى 15 دولارا للساعة، و مبادرة منع الانبعاثات الكربونية، و في كليهما دفعنا بكامل ثقلنا، ثم سألنا الآخرين أن ينضموا معنا، و في كلا الحالتين ننجح، فشركات كبرى أخرى قادمة في ذات الطريق، وآمل أنكم فخورون بذلك أيضا.  


إنني أجد عملي ذا معنى و مبهجا، أعمل مع أنبه فريق و أكثره موهبة و إبداعا، في الأوقات الجيدة كنا نتواضع، و عندما كنا نواجه الصعاب كنا أقوياء متعاضدين، و كنا نُضحك بعضنا البعض، أنها متعة أن أعمل في فريق كهذا.


وبقدر ما أستمتع في مكتبي الآن، فإنني متشوق للمسئولية الجديدة، الملايين من العملاء يعتمدون على خدماتنا، و أكثر من مليون من موظيفينا يعتمدون علينا في مصادر دخولهم، إنها مسئولية دقيقة أن تكون مديرا تنفيذيا لأمازون، و إنها لتتطلب الكثير، فعندما تكون عليك مسئولية كهذه، يكون من الصعب أن توجه انتباهك إلى غيرها، و كرئيس تنفيذي، سأبقى متفاعلا مع مبادرات مهمة في أمازون، لكن سأملك ما أحتاجه من الوقت و الطاقة للتركيز على وقف اليوم الأول (Day 1 Fund)، وقف بيزوس للأرض (the Bezos Earth Fund)، مشروع سفن الفضاء (Blue Origin)، صحيفة الواشنطن بوست، و تطلعاتي الأخرى، إنني لم أكن من قبل أكثر حماسة مني الآن، و ليس هذا تقاعدا، إنني في غاية الشغف نحو الأثر الذي يمكن تصنعه هذا المبادرات. 


أمازون في أحسن الأوضاع للمستقبل، نحن منطلقون في كل المجالات تماما حيث يحتاج العالم إلينا، لدينا في الطريق ما سيستمر في إثارة الدهشة و الإعجاب، نحن نخدم أفرادا و مؤسسات، و كنا رواد صناعتين بالكامل، و نوعية مبتكرة تماما من التطبيقات، إننا قادة في مجالات شتى، من المعدات القادرة على التعلم (machine learning)، إلى تسويق و نقل البضائع، و إذا ما كانت أي خاطرة لدي أي منا في أمازون، تحتاج إلى إضافة أي مهارات  جديدة إلى منظومتنا، فإن لدينا ما يكفي من المرونة و المثابرة  لنتعلمها. 


واصلوا الإبداع، و لا يثبطنكم أن تبدو الفكرة في أولها مجنونة، تذكروا أن تذهبوا كل مذهب، و اجعلوا من الفضول و التطلع موجها لكم، فإنه دائما اليوم الأول. 


جف


https://www.aboutamazon.com/news/company-news/email-from-jeff-bezos-to-employees

الخميس، أغسطس 20، 2020

الحروف الفواتح في سور القرآن الكريم

 

افتتحت سور عديدة في القرآن الكريم بحروف منفصلة، و هذه ملحوظة عنها، ذكرها الشيخ الشعراوي في خواطره، فإن حروف الهجاء العربية 28 حرفا، مرتبة من الألف إلى الياء كما في الصورة المرفقة، و في الصورة قد قُسمت الحروف إلى ثلاث مجموعات: 9 و 10 و 9، و قد علمت على بعض منها و كتبتها بالأحمر هنا، و هذه الحمراء هي التي استخدمت في فواتح سور القرآن

أما ما نلاحظ فهو أن الله سبحانه و تعالى قد جعل حرفين فقط من التسعة الأول مستخدمة في فواتح السور و هما الألف و الحاء، بينما تُركت سبعة حروف، و من التسعة الأخيرة اُستخدمت سبعة حروف بينما ترك حرفان لم يستخدما هما الفاء و الواو، ثم نأتي للعشرة التي في المنتصف، فنجد أن خمسة منها اُستخدمت و هي الحروف غير المنقوطة، بينما لم تستخدم الحروف المنقوطة في فواتح السور

و سبحان الله لا يُسأل عما يفعل

بنو إسرائيل

لما أخبر الطفل يوسف أباه عن رؤياه: "إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَم...